المحور الاول: التجربة والتجريب

مجزوءة المعرفة


تمهيد
ان المعرفة ليست هبة تُمنح، وهي لا توجد جاهزة للأخذ، وهي بناء يتم وفق جدلية تجمع بين الذات والموضوع، تحمل الخطأ والصواب، التقدم والتراجع، الحركة والجمود، إنها ما يبنى منهجيا بالاعتماد على قدرات عقلية ومهارات فكرية.
ولقد حاولت الفلسفة خلال تاريخها الطويل صياغة قضايا المعرفة، متخذة من الحقيقة غاية قصوى لكل عملية معرفية. وذلك بعد أن تقطع مع الرأي والمعرفة العامية للواقع، والتي تتميز بالسطحية، لكي تبني معرفة موضوعية وجوهرية متمثلة في الحقيقة.
لكن الحقيقة في التاريخ الحديث اتخذت شكلا علميا، حيث وضع المجتمع العلمي المعاصر قواعد للبحث الموضوعي، وذلك باللجوء للتجربة والملاحظة، والقياس... التي تحول الفرضيات إلى قوانين علمية تعبر عن العلاقات الثابتة والمنتظمة بين الظواهر.
وعليه فكل بناء معرفي هو نتيجة لهذه الجدلية القائمة بين الذات والموضوع. ومعيار تقيمه مُنَوَع، قد يكون الواقع، وقد يكون الفكر النظري أو هما معا، ويبقى الهدف الرئيسي من ذلك هو البحث عن حقيقة العالم وحقيقة الإنسان الذي يسعى إلى فهم ومعرفة هذا العالم.
النظرية والتجربة
قد حاولت العلوم الطبيعية منذ نشأتها أن تؤسس نظريات تبتعد عن التأمل الفلسفي من خلال الاستناد إلى معطيات مادية ووقائع تجريبية. لكن، تاريخ هذه العلوم سيعرف مع ظهور الفيزياء المعاصرة، تحولات جديدة، وبالتالي إعادة النظر في المفاهيم السائدة إلى حدود القرن التاسع عشر. وذلك ما ساهم في بزوغ نوع جديد من التفكير الفلسفي يعرف بــ"الإبستيمولوجيا"، حيث ارتكز هذا المبحث على مجموعة من المفاهيم الفلسفية المرتبطة بالمجال العلمي، وعلى رأسها مفهومي: "النظرية والتجربة" اللذان يطرحان عدة قضايا فلسفية سواء على مستوى النظرية أو على مستوى التجربة، أو على مستوى العلاقة بينهما، إضافة إلى تعدد المعايير لتمييز النظرية العلمية عن باقي أنواع النظريات الأخرى.
المحور الأول: التجربة والتجريب

إشكال المحور:
ما هو أساس المعرفة العليمة...؟ هل هو التجربة أم العقل...؟ هل التجربة بالمعنى الاختباري...؟ أم على التجربة أن تنفتح على الافتراضي والخيالي في معرفة الظواهر...؟

موقف أكسندر كويري
يقول ألكسندر كويري "ان التجربة، بمعنى التجربة الخام، والملاحظة العامية، لم تلعب أي دور في نشأة العلم، اللهم إلا دور العائق ... أما التجريب، وهو المساءلة المنهجية للطبيعة، فيفترض افتراضا مسبقا اللغة التي يطرح فيها أسئلته، والحال ان العلم يساءل الطبيعة بلغة رياضية".
يؤكد إذن على ان التجربة بمعنى العام، لم تشكل سوى عائق ابستيمولوجي يحول دون تقدم المعرفة العلمية، لكونها تفتقد إلى الدقة والموضوعية، في حين يشكل التجريب نوعا من المساءلة المنهجية للطبيعة، فهو إذن نقطة تقاطع بين ما هو تجريبي وما هو رياضي عقلي.
إن التجريب إذن يمكننا من إنشاء فكرة واضحة حول الواقع اعتمادا على استبدالات علمية رياضية. وهذا ما ساهم في نشأة وتطور النظريات العلمية.

موقف كلود برنار
يُلخص كلود برنار مراحل وخطوات وشروط المنهج التجريبي في عبارته: "الحادث يــوحي بالــفكرة، والـــفكرة تـقود إلى التجربة وتـوجهها، والتجربة تحــكم بدورها على الـــفكرة..." فالملاحظة هي أول خطوة يتعرف من خلالها العالم على الظاهرة للإحاطة بمكوناتها، وقد تتم بالعين المجردة أو بالأجهزة التقنية. ويلي ذلك صياغة الفرضية لتفسير الظاهرة تمهيدا لعملية التجريب التي تتحدد وظيفتها في التأكد من صحة الفرضية. وغالبا ما يكون التجريب مخبريا، حيث تتم إعادة إحداث الظاهرة حتى يتمكن العالم من توجيه التجربة بهدف استخلاص القانون العلمي الذي يفسرها.
ومن هنا، يؤكد على الأهمية البالغة للتجريب العلمي في إنتاج المعرفة العلمية، حيث يغدو التحقق التجريبي للنظرية شرطا ضروريا لعلميتها.

موقف روني طوم
اعتبر روني طوم أنه من الوهم الاعتقاد بأن التجربة هي وحدها التي تمكننا من فهم العلاقات السببية بين الظواهر الطبيعية. فالتجريب وحده ليس كفيلا بإنتاج المعرفة العلمية، بل لا بد من إقحام عنصر الخيال العقلي الذي يُعتبر تجربة ذهنية مكملة للتجربة التي تتم بواسطة الأدوات العلمية في المختبر. فكل نظرية تتضمن في نظره كيانات خيالية يتم التسليم بوجودها، مما يعني أن لعنصر الخيال العقلي دور كبير في التجريب العلمي.
هكذا يؤكد على التكامل الحاصل بين ما هو واقعي تجريبي من جهة، وما هو عقلي خيالي من جهة أخرى، في النظر إلى المنهج العلمي، لأن التجريب لا ينفصل عن التفكير العقلي، والتجربة الذهنية لا تقل أهمية عن التجربة الملموسة، بل إنها تضفي غنى أكبر على الواقع المدروس.

خلاصة المحور
كخلاصة، يتأكد أن إنتاج المعرفة العلمية، أو بناء النظرية العلمية، رهين بالعلاقة المتبادلة بين التجريب الذي يجسد ما هو واقعي ملموس، وبين التجربة الذهنية التي تمثل نشاطا رياضيا حرا للعقل. والاختلاف في المواقف يجد تفسيره في تباين المنطلقات الفكرية بين تصور يبدو سجين "النزعة الوضعية" التي تنظر إلى التجريب كمصدر وحيد لبلوغ اليقين العلمي، وموقف "لا وضعي" يؤكد على اندماج الخيال في صميم المنهج العلمي.
شاركه على جوجل بلس

عن rami meknes