لما الدولة ...؟



يندرج هذا السؤال الذي بين أيدينا ويتأطر ضمن المجال الإشكالي لمجزوءة السياسة، ويعالج مفهوم الدولة من خلال البحث في غاياتها وأهدافها والأسس التي تنبني عليها مشروعيتها. ذلك انه إذا كانت غاية الدولة هي تنظيم أمور المجتمع، وضمان أمنه واستقراره، وحماية حرية أفراده وحقوقهم، فإنها أحيانا تتحول إلى مؤسسة تمارس على أفراد المجتمع نوعا من الهيمنة والعنف، فتتجاوز الغايات التي أسست من اجلها. وهذه الأدوار المتناقضة للدولة تجعلنا نطرح مجموعة من التساؤلات أهمها: لماذا الدولة ضرورية..؟ومن أين تستمد مشروعيتها..؟ أتستمدها من الحق أم من القوة..؟ وهل بالإمكان التخلي عن دور الدولة ووظيفتها..؟
بعد قراءتنا المتفحصة لشكل السؤال وبنيته، يظهر أنه يقود ضمنيا إلى أطروحة مفادها الغاية من الدولة أو بعبارة أخرى، الهدف من وجود الدولة، وقبل البداية في تحليل الأطروحة التي يتبناها السؤال يتوجب علينا أولا ولفهم أوسع لمضمون السؤال، الوقوف عند أهم ألفاظه والمفاهيم الواردة فيه لشرحها و تفسيرها. السؤال الذي بين أيدنا يبدأ بأداة استفهام لما، وتعني لماذا، وتحتمل عدة إجابات يمكن التطرق إليها في التحليل.
لقد احتوى السؤال مفهوما مركزيا تنبني عليه أطروحته، وهو مفهوم الدولة، أهم مؤسسة تسهر على تسيير المجتمع وتدبير شؤونه، وهي بذلك أشمل تنظيم يعكس مجموعة أفراد المجتمع. ويتجلى هذا التنظيم في عدد من المؤسسات الإدارية والقانونية والسياسية والاقتصادية التي تتطابق مع متطلبات المجتمع. إن وجود الدولة نابع من قصور المجتمع عن تسيير شؤونه في غياب هذه المؤسسة التي تحفظ وجوده و تضمن استمراريته.
وكجواب أول على السؤال يأتي موقف طوماس هوبس، حيث اعتبر أن الطبيعة جعلت الناس أحرارا ومتساويين؛ غير أن هذا التساوي لا يتحقق مع حالة الطبيعة التي تقوم على أساس الحرب الدائمة والفوضى والخوف، وهذا ما سماها بحرب الكل ضد الكل،لذلك كان من الضروري ان يبحث الإنسان عما يساعده على تحقيق الأمن والاستقرار والسلام. والوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الانتقال هو التعاقد الاجتماعي، حيث يتنازل الأفراد برضاهم عن بعض حقوقهم الطبيعية لفائدة الحاكم قصد تحقيق المنفعة العامة. وهذا التوافق بين الشعب والحاكم أدى الى نشوء الدولة. والحاكم في نظر هوبس لا يمكن ان يأتي بتصرف يخالف المصلحة العامة لأنه بعيد عن الوقوع في الخطأ وبالتالي يفرض تصور هوبس الخضوع التام لهذا الحاكم. وبهذا تكون الغاية من وجود الدولة حسب هوبس هو تحقيق السلم.
ومن المعلوم أن التفكير الفلسفي يتميز بخاصية مهمة هي التنوع والاختلاف بين مواقف الفلاسفة وأطروحاتهم في إطار الإشكالية الواحدة، وذلك راجع ربما إلى اختلاف مرجعياتهم الفلسفية أو اختلاف المراحل التاريخية التي عاشوا فيها.
لذلك ولتسليط الضوء على جزئيات هذا الموضوع المتشعب نستحضر موقف اسبينوزا الذي جاء مختلفا تماما مع طوماس هوبس، حيت يشير الى أن الغاية التي أنشئت من أجلها الدولة هي حماية حرية الأفراد وسلامتهم وفتح المجال أمام طاقاتهم وقدراتهم البدنية والعقلية والروحية. إن تحقيق هذه الأهداف أي الأمن والحرية يقتضي تنازل الفرد عن حقه في أن يسلك كما يشاء. ومقابل هذا التنازل يتمتع الأفراد بحرية كاملة في التعبير عن آرائهم وأفكارهم مع بقائهم متمتعين بهذا الحق مادام تفكيرهم قائما على مبادئ العقل واحترام الآخرين وأيضا ما دام الفرد لم يقم بأي فعل من شأنه إلحاق الضرر بالدولة. وبهذا فالهدف الأساسي من قيام الدولة هو منح الحرية للأفراد.
ولإغناء هذا التحليل الفلسفي، لا عيب في التساؤل عن موقعة الدولة بين الحق والعنف..؟ إذن ما مدى مشروعية العنف..؟
في هذا الصدد يقدم ماكس فيبر موقفا متميزا، حيث ينطلق من تعريف الدولة من خلال وسيلتها الخاصة وهي ممارسة العنف،باعتبار أنه من خلال هذا العنف يمارس الحاكم سلطته ويضمن استمراريتها، وكحجج يقدما الفيلسوف عن مشروعية العنف، يقر بأنه من دون عنف ستعم الفوضى، إن الدولة إذن تمارس العنف باعتباره عنفا مشروعا، ولا يحق لأي فرد ممارسته دون موافقتها، فوظيفة الدولة هي ممارسة العنف باعتباره عنفا مشروعا منظما وفق إجراءات وقوانين، ومنه فالحاكم وحده من يملك هذا الحق، بل إنه الخاصية المميزة له.
لكن في مقابل هذا الموقف هناك من يقر بعدم مشروعية العنف، يتقدم هؤلاء ابن خلدون حيث يجيب ان مصلحة الرعية لا تتجلى في جسده أو ملاحة وجهه، وإنما في حسن معاملة الرعية والرفق بها، فالسلطان سلطان برعيته والرعية رعية بسلطانها، فإن كان الحاكم رحيما،استلطفوه وأعانوه بل وناصروه في محنه، وإن كان قاسيا عليهم، فسدت حمايتهم له بفساد نياتهم وخذلوه في الحروب إذ يعاملونه بالكذب والخداع والخذلان، ومن هنا نهاية حكمه، كما ينصح ابن خلدون، الحاكم ألا يكون فطنا شديد الذكاء متتبعا لعورات الرعية، بل الاتصاف بالقدر الكافي من الفطنة، حيث يقول:" الكيس والذكاء عيب في صاحب السياسة لأنه إفراط في الفكر، كما أن البلادة إفراط في الجمود، وكلاهما مذمومان، والمحمود هو المتوسط." ومن هنا يجعل ابن خلدون من العدل والقانون والحق، صفات الحاكم تجاه رعيته لضمان استمرارية حكمه.

وتخريج عام، وبناءا على معطيات المناقشة والتحليل، يتبين لنا أن السؤال الإشكالي يثير قضية كبقية القضايا الفلسفية، وأفرزت مواقف وأطروحات فلسفية مختلفة تصل أحيانا إلى درجة التناقض، فاختلفت في تحديد إشكالية قيام الدولة الغاية منها، فهناك جماعة أكدوا على كون الهدف من تأسيس الدولة هو تحقيق السلم وفرض الأمن، لكن هناك من ضربوا عرض الحائط هذا الموقف، واعتبروا غاية الدولة هي منح الحرية للمواطنين. وفي رأيي أن الدولة تمثل أهم وسيلة من وسائل الاستقرار الاجتماعي والسياسي، لكن هذا لا يتناقض مع كونها غاية في ذاتها، تسمو على كل الغايات الفردية والمصالح الشخصية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كانت السلطة السياسية التي تمارسها الدولة تقوم على القهر والعنف وتجاوز القوانين، هل يبقى للدولة من ضرورة..؟
شاركه على جوجل بلس

عن rami meknes