الجو العام الذي نبتت فيه الماركسية

الحلقة الأولى: الجو العام الذي نبتت فيه الماركسية
اعداد وتقديم: ذ. عبد الغاني الرامي






يقول العقاد في كتاب أفيون الشعوب ص (73) اعتاد الناس أن يطلقوا لفظ الشيوعية على مذهب ماركس في حالة التطبيق، لأنه يزعم أن مذهبه ينتهي الى إباحة كل شيء على الشيوع أو بالمشاع، ولكن أصحاب المذاهب جميعا يسمونه بالمادية التاريخية أو المادية الديالكتيكية.
فكيف إذن نشأت هذه الأفكار؟
نجد في كتاب تهافت العلمانية للدكتور عماد الدين خليل ص (88) وكتاب الصراع بين العلم والفلسفة للدكتور توفيق الطويل ص (193) وكتاب محاكم التفتيش لعلي مظهر ص (101) أن العقل الأوروبي كان يتقبل في القرن التاسع عشر كل ما فيه عداء للدين أو للتفكير الغيبي، لأنه خاض معركة مريرة شرسة لتحطيم قيد الكنيسة الجبار. ولقد ورث العقل الأوروبي من الحضارة الأوروبية عداء الآلهة للإنسان وأسطورة بروميثوس (إله الصناعة والعلم) الذي أعطى العلم للإنسان، فغضب عليه كبير الآلهة زيوس أو جوبيتر، وطرده من حضرة الآلهة ، وربطه إلى قيد وثيق في أحد الجبال، تنهش الطيور كبده ولحمه نهارا ويعيده ليلا ليتلقى عذابه في اليوم التالي. هذه الأسطورة، أصبحت المحرك للعقل الأوروبي، والمحور الذي تدور حوله القصص والمسرحيات والتمثيليات الأوروبية، التي تقف بجانب الإنسان المظلوم في صراعه ضد الآلهة المتجبرة الغاشمة!!
وقد جاءت الكنيسة في العصور الوسطى لتركز هذا المعنى (صراع العلم مع الدين) فأنشأت محاكم التفتيش للعلماء والمفكرين، وكتبت كتابا ملؤه بالأساطير وسمته (الجغرافيا النصرانية)، ورمت كل من خالفه بالكفر وعاقبته فقتلت ثلاثمائة ألف من البشر وحرقت منهم (32) ألفا أحياء ومن بينهم برونو سنة (1598م) لأنه قال بدوران الأرض، وعذبت كوبرنيكس وجاليلو لأنهما ناديا بنفس الفكرة.
كما جاء في كتاب ماركسية القرن العشرين للمفكر العالمي المسلم روجيه جارودي ص (145) يقول ماركس في أطروحته التي كتبها سنة (1841م): (ان الفلسفة تتبنى شعار (بروميثوس)، أنا ضد كل الآلهة، فعمم هذا الشعار على كل أرباب الأرض والسماء الذين ينكرون على الوعي البشري أن يكون الإله الأعلى، فهي تأبى أن يكون له منافس).
هذه العقلية الأوروبية كانت تبحث عن بديل لإله الكنيسة الذي تركته وهربت منه لتسد الفراغ الكبير في حياتها، فماذا صنعت؟ لقد طرحت العقل إلها بديلا عن إله الكنيسة عن طريق المدرسة العقلية المثالية بشقيها :
أ. الشق الذي يؤمن بإله مع اضطراب في التصور ويقود هذا الجناح (هيجل)، فهيجل يعتقد بوجود اله لكنه يرى أن الإله هو العقل الكبير أو المطلق، وإن كان يقول: (إن الأديان المختلفة ليست إلا مراتب مختلفة لنمو الفكر البشري وجلود ثعابين قشرها الإنسان عن نفسه) هذه المقولة لهيجل تجدونه في نفس المرجع السابق كتاب ماركسية القرن العشرين لجارودي ص (153).
ب. الشق الإلحادي الذي ينكر الإله بالمرة وزعيمه نيتشه ثم طرحت العقلية الأوروبية الطبيعة إلها عن طريق مدرسة أوجست كونت (المدرسة الحسية الوضعية) أي : لا إيمانا لا بالمحسوس، وقد كان كونت يرى أن الفكر البشري لدى الفرد والنوع على السواء يمر بثلاث حالات :
استخدام كونت في فلسفته (تاريخ المعرفة) فقال: كانت معرفة الإنسان قبل فلسفة الإغريق ذات طابع ديني، ثم أصبحت على عهد سقراط وأفلاطون من الإغريق عقلية، ثم أصبحت على عهد أرسطو واقعية حية، ثم ابتدأت دورة أخرى من جديد، أنظر كتاب الفكر الإسلامي الحديث محمد البهي ص (302)
1- اللاهوتية التي ترد تفسير الأحداث إلى الله.
2- الميتافيزيقية التي تفسر الأحداث لقوى وراء الطبيعة دون ذكر الله.
3- المرحلة الوضعية التي تفسر الأحداث بقوانين طبيعية حسية ولا تؤمن إلا بالمحسوس.
ووافق الفكر الأوروبي على قول كونت مع إدراكه أن الطبيعة حقيقة من حقائق الكون، وليست تفسيرا له، نجد  في كتاب الإسلام يتحدى لوحيد الدين خان..يقول سيسل الأمريكي: (إن الطبيعة لا تفسر شيئا من الكون وإنما هي بحاجة إلى تفسير). ثم نجد في كتاب الفكر الإسلامي الحديث للبهي ص (264). لقد نادى فيرباخ (تلميذ كونت) بحلول الإنسان محل الله، وطالب أن تصبح الإنسانية هي المعبود الأكبر، وقال فيرباخ: الله فكرتي الأولى، ثم العقل فكرتي الثانية ثم الإنسان بواقعيته فكرتي الثالثة والأخيرة . وصاح نيتشه أثناء تخبطات صرعه بموت الإله ونشوء الإنسان السوبرمان-هكذا تكلم زرادشت-.ولكنها كلها صرخات المذعورين الفارين من الكنيسة، وصيحات الفزعين من شبحها الذي يطاردهم ويقض مضجعهم ويقلق راحتهم ويهدد وجودهم.
ولذا لم يكن الإلحاد في أوروبا طبيعيا إنما كان ردا على موقف الكنيسة وأخطائها وشناعة تصرفاتها إزاء الإنسان في أوروبا، وموقفها المؤسف الأليم تجاه العلماء والتجارب البشرية الإنسانية.
في هذا الجو نشأ ماركس الذي جاء متأثرا بهذه الآراء لينكر الإله، ويحشر البشرية في جحر الاقتصاد وليقول : إن تاريخ العالم هو تاريخ البحث عن الطعام ليدمر بقية الكيان الإنساني المتماسك.
يرى الدكتور محمد البهي في كتابه الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي ص (210) فما بعدها
 إن صراع الدين والعقل والحس،مر في أوروبا بأربعة أدوار على الترتيب :
1)      سيادة النص، أي: المذهب الكاثوليكي الذي يمثله بولس ثم قسطنطين الإمبراطور.
2)      سيادة العقل (المدرسة العقلية المثالية) ومن قو ادها: هيجل ونيتشة.
3)      سيادة الحس (المدرسة الحسية الوضعية) ورائدها كونت.
4)      المدرسة المادية الدياليكتيكية، وفيلسوفها ماركس وإنجلز.
لقد كان الجو الذي نشأت فيه الماركسية مشحونا بالعداوة للغيب،مطبوعا بطابع الكراهة للدين،كلما ذكر الله في هذا الجو قفز الى أذهانهم كما يقول السيد قطب في ص (52) من كتابه المستقبل لهذا الدين نقلا عن كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين. (وجوه كالحة عابسة وجباه مقطبة وعيون ترمي بالشرر  وصدور ضيقة حرجة وعقول سخيفة بليدة لرجال الدين) .ويقول الأستاذ محمد البهي: (ومن هذا يتضح أن صراع العقل مع الدين هو صراع الفكر الإنساني مع مسيحية الكنيسة، وان دوافع هذا الصراع هي الظروف التي أقامتها الكنيسة في الحياة الأوروبية) أنظر العقيدة وأثرها في بناء الجيل ص (35) نقلا عن كتاب الفكر الإسلامي الحديث ص (259) فما بعدها.

ومن هنا ندرك أن الماركسية فرع لشجرة المادية التي غرست في أوروبا لخنق شجرة الكنيسة ثم اقتلاعها، أو أحد المسامير الكبيرة التي دقت في نعش الكنيسة.



شاركه على جوجل بلس

عن rami meknes